المقريزي
116
المقفى الكبير
البصرة وبايعه جميع أهلها قرّاؤها وكهولها . وكان سبب تسرّعهم إلى ذلك أنّ العمّال كتبوا إلى الحجّاج أنّ الخراج قد انكسر ، فإنّ أهل الذمّة قد أسلموا ولحقوا بالأمصار . فكتب إلى البصرة وغيرها أنّ من كان له أهل في قرية فليخرج إليها . فأخرج الناس ليأخذ منهم الجزية ، فجعلوا يبكون وينادون : يا محمّداه ! يا محمّداه ! لكراهتهم في الخروج . فبكى قرّاء البصرة لما رأوه ، وقدم عبد الرحمن عقيب ذلك فبايعوه على حرب الحجّاج وخلع عبد الملك ، وذلك في آخر ذي الحجّة . فلمّا كان المحرّم سنة اثنتين وثمانين اقتتل الفريقان قتالا شديدا عدّة دفعات . فانهزم في آخره أصحاب الحجّاج . ثمّ عادوا إلى القتال فانهزم عبد الرحمن بمن معه وقتل منهم خلق كثير ، وصار إلى الكوفة فاجتمع عليه أصحابه وبايعوه ، فقاتل الحجّاج خمس ليال أشدّ قتال رآه الناس ، وتسمّى هذه الحرب وقعة الزاوية - وقتل الحجّاج فيها بعد الهزيمة أحد عشر ألفا خدعهم بأن نادى : « لا أمان إلّا لفلان وفلان ! » ، فقال العامّة : « قد أمّن الناس » . وحضروا عنده فأمر بهم فقتلوا كلّهم . وأقام إلى شعبان ، ثمّ سار من البصرة إلى الكوفة ، فخرج إليه عبد الرحمن ونزل دير الجماجم ، وقد اجتمع إليه أهل الكوفة والبصرة والقرى ، وأهل الثغور والمسالح . ونزل الحجّاج دير قرّة أوّل ربيع الأول ، واجتمع إليه أمداده من أهل الشام . وقال : إنّ عبد الرحمن نزل دير الجماجم ، ونزلت دير قرّة : « أما يزجر الطير ؟ » ، وخندق كلّ منهما على نفسه واقتتلوا كلّ يوم عدّة أيّام . فقال عبد الملك : إن كان يرضي أهل العراق أن ننزع عنهم الحجّاج نزعناه ، فإنّ عزله أيسر من حربهم ، فتحقن الدماء بذلك . وبعث أخاه محمد بن مروان وهو على الموصل في جند كثيف ومعه ابن أخيه عبد اللّه بن عبد الملك ، أن يعرض على أهل العراق عزل الحجّاج ، فإن قبلوا ذلك كان محمد بن مروان أمير العراق ، وينزل عبد الرحمن أيّ بلد شاء ، فيكون واليه ، فإن لم يرضوا بذلك ، فالحجّاج أمير الجماعة ووالي القتال . فلم يأت الحجّاج قطّ أمر كان أشدّ عليه ولا أوجع لقلبه من هذا ، مخافة أن يقبل أهل العراق عزله فيعزل عنهم . وكتب إلى عبد الملك : واللّه لو أعطيت أهل العراق عزلي لم يلبثوا إلّا قليلا حتّى يخالفوك ويسيروا إليك ولا يزيدهم ذلك إلّا جرأة عليك . ألم تر - وبلغك - وثوب أهل العراق مع الأشتر على عثمان بن عفّان [ 329 أ ] وسؤالهم نزع سعيد بن العاص ، فلمّا نزعه لم تتمّ له السنة حتّى ساروا إلى عثمان فقتلوه ، وإنّ الحديد بالحديد ؟ فأبى عبد الملك إلّا عرض عزله عليهم ، فعرض ذلك عليهم عبد اللّه ومحمد ، فأبوا وخلعوا عبد الملك مرّة ثانية بدير الجماجم . فسلّم عبد اللّه بن عبد الملك ومحمد بن مروان أمر العسكر للحجّاج ، فقال : « قد قلت إنّه لا يراد بهذا الأمر غيركم » . فكانا يسلّمان عليه بالإمرة ويسلّم عليهما بالإمرة ، فاستعدّ الفريقان ، ووقف مع عبد الرحمن سعيد بن جبير وعامر الشعبيّ ، وأبو البختريّ ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وتزاحفوا للقتال عدّة أيّام يقتتلون أشدّ القتال ، فغلت الأسعار وفقد اللحم ، والقتال مستمرّ مدّة مائة وثلاثة أيّام . فلمّا كان اليوم الرابع عشر من جمادى الآخرة اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم أصحاب عبد الرحمن ، وتبعهم . فدخل الحجّاج الكوفة وأخذ يبايع الناس ،